الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

37

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عن ضبط الحلال ، لأنّه ممّا تتوجّه النفوس إلى الإحاطة به ، وإلى معرفة ما عسى أن يكون قد حرّم عليهم من غير ما عدّد لهم في الآيات السابقة ، وقد بيّنّا في مواضع ممّا تقدّم ، منها قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ في سورة البقرة [ 189 ] : أنّ صيغة يَسْئَلُونَكَ في القرآن تحتمل الأمرين . فعلى الوجه الأوّل يكون الجواب قد حصل ببيان المحرّمات أوّلا ثم ببيان الحلال ، أو ببيان الحلال فقط ، إذا كان بيان المحرّمات سابقا على السؤال ، وعلى الوجه الثاني قد قصد الاهتمام ببيان الحلال بوجه جامع ، فعنون الاهتمام به بإيراده بصيغة السؤال المناسب لتقدّم ذكره . و الطَّيِّباتُ صفة لمحذوف معلوم من السياق ، أي الأطعمة الطيّبة ، وهي الموصوفة بالطيّب ، أي التي طابت . وأصل معنى الطيب معنى الطّهارة والزكاء والوقع الحسن في النفس عاجلا وآجلا ، فالشيء المستلذّ إذا كان وخما لا يسمّى طيّبا : لأنّه يعقب ألما أو ضرّا ، ولذلك كان طيّب كلّ شيء أن يكون من أحسن نوعه وأنفعه . وقد أطلق الطيّب على المباح شرعا ؛ لأنّ إباحة الشرع الشيء علامة على حسنه وسلامته من المضرّة ، قال تعالى : كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [ البقرة : 168 ] . والمراد بالطيّبات في قوله : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ معناها اللغوي ليصحّ إسناد فعل أُحِلَّ إليها . وقد تقدّم شيء من معنى الطيّب عند قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً في سورة البقرة [ 168 ] ، ويجيء شيء منه عند قوله تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ في سورة الأعراف [ 58 ] . و الطَّيِّباتُ وصف للأطعمة قرن به حكم التحليل ، فدلّ على أنّ الطّيب علّة التحليل ، وأفاد أنّ الحرام ضدّه وهو الخبائث ، كما قال في آية الأعراف ، في ذكر الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [ الأعراف : 157 ] . وقد اختلفت أقوال السلف في ضبط وصف الطيّبات ؛ فعن مالك : الطيّبات الحلال ، ويتعيّن أن يكون مراده أنّ الحلّ هو المؤذن بتحقّق وصف الطيّب في الطعام المباح ، لأنّ الوصف الطيّب قد يخفى ، فأخذ مالك بعلامته وهي الحلّ كيلا يكون قوله : الطَّيِّباتُ حوالة على ما لا ينضبط بين الناس مثل الاستلذاذ ، فيتعيّن ، إذن ، أن يكون قوله : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ غير مراد منه ضبط الحلال ، بل أريد به الامتنان والإعلام بأنّ ما أحلّه اللّه لهم فهو طيّب ، إبطالا لما اعتقدوه في زمن الشرك : من تحريم ما لا موجب لتحريمه ، وتحليل ما هو خبيث . ويدلّ لذلك تكرّر ذكر الطيّبات مع ذكر الحلال في القرآن ، مثل